الغزالي

18

مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب

3 - باب : في الصبر « 1 » والمرض من أراد أن ينجو من عذاب اللّه وينال ثوابه ورحمته ويدخل جنته فلينه نفسه عن شهوات الدنيا وليصبر على شدائدها ومصائبها ، كما قال اللّه تعالى : وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ « 2 » . والصبر على أوجه : صبر على طاعة اللّه ، وصبر عن محارمه ، وصبر على المصيبة ، وعند الصدمة الأولى . فمن صبر على طاعة اللّه تعالى أعطاه اللّه تعالى يوم القيامة ثلاثمئة درجة في الجنة ، كلّ درجة ما بين السماء والأرض ، ومن صبر عن محارم اللّه ، أعطاه اللّه تعالى يوم القيامة ستمئة درجة ، كلّ درجة مثل ما بين السماء السابعة والأرض السابعة ، ومن صبر على المصيبة أعطاه اللّه تعالى يوم القيامة سبعمئة درجة في الجنة ، كلّ درجة ما بين العرش إلى الثّرى « 3 » . حكي أن زكريا عليه السلام هرب من اليهود فقفّوا أثره ، فلما دنوا « 4 » منه رأى شجرة فقال لها : يا شجرة أدخليني فيك . فانشقت الشجرة فدخل فيها ، ثم التأمت عليه ، فأشار عليهم إبليس أن يأتوا بالمنشار ويشقوها نصفين حتى يموت فيها . ففعلوا كما قال إبليس ، وذلك حيث اعتصم بالشجرة ، ولم يعتصم باللّه ، فأورثه اللّه هلاك نفسه ، فنشر بالمنشار على فرقتين . كما روي عن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « يقول اللّه تعالى : ما من عبد نزلت به بلية فاعتصم بي إلا أعطيته قبل أن يسألني ، واستجبت له قبل أن يدعوني ، وما من عبد نزلت به بليّة فاعتصم بمخلوق دوني إلا أغلقت أبواب السماء عليه » . فلما بلغ

--> ( 1 ) الصبر : صبر صبرا : تجلد ولم يجزع ، وصبر على الأمر : احتمله ولم يجزع منه . ( 2 ) سورة آل عمران ، الآية : 146 . ( 3 ) الثّرى : الأرض . ( 4 ) دنوا : من دنى يدنو : أي اقترب .